القائمة الرئيسية

الصفحات

النمو المعرفي للأطفال ومراحله حسب نطرية ''جون بياجيه''

النمو عند الأطفال: مفهومه وجوانبه

النمو عبارة عن سلسلة متتابعة ومتكاملة من التغيرات تسعى بالفرد نحو اكتمال النضج واستمراره، والنمو هو العملية التي تتفتح خلالها إمكانات الفرد الكامنة وتظهر على شكل قدرات ومهارات وصفات وخصائص شخصية.
والنمو حسب علم النفس التربوي يعني ويتضمن التغيرات الجسمية والفزيولوجية التي تختزل في الوزن والحجم والتغيرات لتي تحدث في أجهزة الجسم المختلفة، والتغيرات العقلية المعرفية، والتغيرات السلوكية الانفعالية والتغيرات الاجتماعية التي يمر بها الفرد في مراحل نموه المختلفة، باعتبار هذه الجوانب الأربعة (الجانب الجسمي، المعرفي/العقلي، الاجتماعي، الانفعالي) هي أركان الشخصية الإنسانية.
سنتناول في هذا المقال اليوم موضوع النمو على المستوى المعرفي العقلي عند الأطفال لكونه الجانب الذي يهمنا أكثر نحن كأساتذة ومربين أو كآباء وأمهات وأولياء التلاميذ.
النمو المعرفي للأطفال ومراحله حسب نطرية ''جون بياجيه''

قبل الغوص في الحديث عن أبرز نظرية في النمو المعرفي العقلي ومراحله، لا بد أولا من تحديد المفهوم، فحسب بعض المختصين النمو المعرفي يشير إلى الطريقة التي يتمكن من خلالها الأطفال من فهم التغيرات التي تجري في العالم من حولهم، وذلك استناد على عمليات الإحساس، الإدراك، التصور، حل المشكلات، الاستدلال، اللغة والتفكير.

نطرية النمو المعرفي لصاحبها ''جان بياجيه''

ولا يكون أي حديث عن النمو المعرفي العقلي للأطفال مكتملا دون تناول نظرية العالم السويسري ''جان بياجيه''، لكونها الأبرز والأكثر تميزا في ساحة علم النفس التربوي، فمن خلال نظريته هاته، يرى ''بياجيه'' أن هناك أربع مراحل رئيسية تظهر فيها تغيرات واضحة في سلوك الطفل المعرفي، والمراحل الأربعة هي المرحلة الحسية الحركية، مرحلة ما قبل العمليات، مرحلة العمليات المادية ثم مرحلة العمليات المجردة.

1- المرحلة الحسية الحركية

وتسمى أيضا بمرحلة المهد، وتمتد حسب بياجيه من الولادة إلى سن الثانية من العمر، وتتزايد في هذه المرحلة قدرة الطفل على التحكم بحركات جسمه، ويتعلم أن ينسق المعلومات الحسية، وقد قسم بياجيه هذه المرحلة إلى 6 أطوار:
  • الطور الأول: يمتد من الولادة إلى عمر الشهر الأول، وتكون معظم سلوكات الرضيع في هذه الفترة انعكاسية ومتشابهة إذ لا يستطيع التمييز بين الأشياء، لذلك فإن الطفل يمص كل ما يوضع في فمه بغض النظر عن ماهيته وبنفس القوة التي يمص بها الحلمة المنتجة للحليب، وعندما تلامس راحة يداه شيئا ما، فإنه يمسك به أيا كان ذلك الشيء (أصبع، لعبة)
  • الطور الثاني: يمتد من الشهر الأول إلى الشهر الرابع من العمر، وتظهر عند الرضيع خلال هذا الطور أنماط سلوكية جديدة، فيصبح مص الإبهام عادة حيث تعكس تطور حركة التناسق بين الفم واليد، كما يبدأ في البحث عن مصدر الأصوات التي يسمعها مشيرا إلى وجود تناسق بين السمع والرؤية، إضافة إلى ذلك، يبدأ في تتبع الأجسام المتحركة بعينيه إلى أن تختفي عن النظر.

وعلى الرغم من حدوث تطورات في سلوك الرضيع بين الطور الأول والثاني، إذ يزداد معدل الاستجابات التي يقوم بها الرضيع، إلا أنه (السلوك) لم يزال يفتقر إلى القصد (السلوك الموجه إلى هدف أو أهداف محددة) مما يجعله سلوكا انعكاسيا بالأساس رغم تعديله.


  • الطور الثالث: يمتد من الشهر الرابع إلى الشهر الثامن من العمر، ويتوجه سلوك الرضيع خلال هذه المرحلة باضطراد صوب الأشياء والأحداث خارج جسمه، فالرضيع يمسك ويعالج جميع الأجسام التي يستطيع الوصول إليها بتناسق وثيق بين الرؤية والاحساسات اللمسية كأن يركل برجليه حتى يحرك كرة متدلية من سقف السرير أو يحاول مد يديه للإمساك بشيء قريب منه أو يحرك يده لتصدر اللعبة التي يمسك بها صوتا، فقبل هذا الوقت كان سلوك الرضيع موجها صوب ذاته، فلم يكن قادرا على تمييز ذاته عن الأجسام الأخرى، كما لم يكن قادرا على التناسق بين حركة يديه وعينيه.
وثمة خاصية للمرحلة الثالثة هي أن الرضاع يبدؤون بتوقع الأماكن التي ستمر الأشياء من خلالها حينما تكون في حالة حركة أو التي ستسقط فيها، مما ينم عن مخططات للأشياء أكثر تطورا مما في المراحل السابقة.
  • الطور الرابع: يمتد من الشهر الثامن إلى السنة الأولى من العمر، وتظهر خلال هذا الطور لدى الطفل أنماط سلوكية تشكل أولى أفعال الذكاء الواضحة من خلال حل مشكلات بسيطة، وإليكم المثال التالي الذي يوضح ذلك، لنفرض أن طفلا يرى شيئا مخفيا تحت قطعة ورق أو قماش، فإذا كان الطفل في الطور الثالث (4 إلى 8 أشهر) فإنه سوف يحاول التقاط الورقة أو القماش وكفى، أما طفل الطور الرابع (8 إلى 12 شهرا) سوف يقوم بذلك من أجل الحصول على الشيء الموجود تحت الورق أو القماش.
  • الطور الخامس: ويمتد من الشهر الثاني عشر إلى الشهر الثامن عشر من العمر، ويكتسب الطفل خلال هذه الفترة مستوى عالي من القدرة على الفعل حين يبدأ بتكوين مخططات جديدة لحل مشكلات جديدة، إذ يبحث الطفل عن وسائل حديثة ليصل إلى غايات معينة من خلال ''التجريد'' وليس من خلال تطبيق مخططات متشكلة سابقا تنم عن التعود، فحيثما يواجه الطفل مشكلة لا يمكن حلها باستخدام المخططات المتوفرة لديه، فإنه يكون قادرا على التجريب وتطوير وسائل جديدة من خلال عملية المحاولة والخطأ.
  • الطور السادس: ويبدأ عند الشهر الثامن عشر وينتهي حوالي السنة الثانية من العمر، وخلال هذا الطور ينتقل الطفل من المستوى الحسي الحركي للذكاء إلى الذكاء التصوري، أي أن الطفل يصبح قادرا على تصور الأشياء داخليا (عقليا)، وبالتالي يصبح قادرا على حل المشكلات عبر التصور (معرفيا).

2- مرحلة ما قبل العمليات

ويطلق عليها مرحلة الطفولة المبكرة، وتمتد من السنة الثانية إلى 7 سنوات من العمر، ويرتقي الطفل في هذه المرحلة من فرد يعمل أساسا بصيغة حسية إلى فرد يعمل أساسا بصيغة مفاهيم رمزية، إذ يصبح قادرا أكثر فأكثر على التمثيل الداخلي للحوادث (التفكير)، ويصبح أقل اعتماداً على أفعاله الحسية الحركية المباشرة في توجيه السلوك، ويقسم ''بياجيه هذه المرحلة إلى طورين أساسيين:
الطور الأول يمتد من السنة الثانية إلى الرابعة من العمر، وأكثر ما يميز هذا الطور هو ارتقاء اللغة حيث يبدأ الطفل عند الثانية من العمر (أكثر أو أقل بأشهر قليلة) باستعمال الكلمات كرموز بدلا من الأشياء المحسوسة، ويستعمل الطفل في البداية ''الكلمة الجملة''، بمعنى استخدامه لكلمة واحدة للتعبير عن معنى جملة كاملة، والسبب في ذلك أن الطفل لا يملك سوى عدد قليل من الكلمات في قاموسه اللغوي. غير أن قدراته اللغوية تتوسع بسرعة، وبحلول السنة الرابعة من العمر يكون الطفل قد أتقن اللغة، ويصبح قادرا على التكلم واستخدام معظم الأصول القواعدية، كما يستطيع أن يفهم كلام من يتحدث إليه.

أما بخصوص سلوك وتفكير الطفل في هذه المرحلة فيكونان متمركزان حول الذات، بمعنى أنه لا يتقبل دور أي شخص آخر أو رأيه، وهو يعتقد أن كل فرد يفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها هو، ونتيجة لذلك لا يشكك الطفل بأفكاره الخاصة مطلقا، لأنها حسب اعتقاده هي الأفكار الممكنة الوحيدة، لذلك يجب أن تكون صحيحة، وتتحكم هذه الظاهرة بتفكير أطفال هذه الفترة لدرجة أنهم يستخدمون أسماء خاصة بهم حتى لأكثر الأشياء المألوفة.
ثم بعد هذا الطور يدخل الأطفال الطور الثاني في سنوات ما قبل المدرسة، ويشرعون في استخدام بعض المفاهيم العددية مثل ''أٌقل'' و ''أكثر''، ومفاهيم العلاقات مثل ''أصغر'' و ''أكبر''، ويستطيعون تصنيف الأشياء على أساس بعد واحد كاللون أو الشكل، ولكنهم لا يزالون يجدون صعوبة في تصنيفها على أساس أكثر من بعد، كتصنيفها مثلا على أساس اللون والشكل معا. فإذا طلبت من طفل في هذه المرحلة أن يلتقط من وعاء كل الأشياء الحمراء الكبيرة المستديرة (ثلاثة أبعاد) فإن الطفل سيصاب بالارتباك والفشل، أم إذا طلبت من الطفل نفسه أن يقوم بفرز هذه الأشياء على أساس كل بعد من الأبعاد الثلاثة فإنه سوف ينجح في ذلك بدون شك.


كما أنه من خصائص الطفل في هذه المرحلة الانخداع بالمظاهر، كما هو الحال في المهمة المبينة أسفله، إن معظم أطفال هذه المرحلة يعتقدون أن الخط العلوي يحتوي على أكبر عدد من العناصر من الخط السفلي.
مرحلة ما قبل العمليات

3- مرحلة العمليات المادية

وتسمى كذلك مرحلة الطفولة المتأخرة أو مرحلة العمليات المحسوسة، وتمتد من السنة السابعة حتى سن الحادية عشر من العمر، وتصبح عمليات التفكير عند الطفل خلال هذه الفترة منطقية، ويمكن التكهن أن هذا هو السبب الذي أدى بالفلاسفة والمربين على حد سواء خلال العصور المتعاقبة أن يساووا بين العمليات المادية عند بياجيه وما كانوا يسمونه ''سن العقل''، ويذكر في هذا الصدد أن سن التمييز في الشريعة الإسلامية هو حوالي السنة السابعة من عمر الطفل.
وخلال هذه المرحلة لا يعود الطفل أسيراً للإدراك الحسي، إذ يصبح قادرا على القيام بجميع تلك العمليات المعرفية التي كانت تحد من النشاط الفكري لطفل ما قبل العمليات، فيوسع مداركه الحسية وينتبه إلى التبادلات، والأكثر أهمية من ذلك هو أن طفل هذه المرحلة يكتسب قدرة على المعكوسية للعمليات (أي البدء من النهاية والعودة إلى البداية) مثل إذا انطلق من الفكرة (أ) وأضاف إليها الفكرة (ب) سينتج عنها الفكرة (ج) ، فيكون عكس هذه العملية على شكل: الفكرة (ج) ــ الفكرة (ب) = الفكرة (أ) كما هو موضح في الشكل التوضيحي السابق.
 وإضافة إلى هذه العمليات التي يقوم بها داخل رأسه بشكل رمزي تماما، فإنه يصبح كذلك في هذه المرحلة قادراً على التواصل التعاوني غير الممركز حول الذات، حيث يصبح الطفل لأول مرة شخصا اجتماعيا حقا.
ومن الظواهر المعرفية الأخرى التي تتطور في هذه المرحلة أيضا، ظاهرة الحفظ أو الاحتفاظ، وتعني قدرة الطفل على إدراك أن الأشياء تحتفظ بهويتها حتى بعد أن تطرأ عليها بعض التحويلات والتغييرات الواضحة للعيان، مثلا سكب الماء من إناء طويل ورقيق إلى أنبوب آخر قصير وعريض لن يغير من كمية الماء الأصلية، رغم أن التفكير السطحي لهذه الوضعية يظهر كمية الماء وكأنها نقصت أو زادت، إلا أنها في الحقيقة لم تتغير، ونفس الشيء ينطبق على تجارب ووضعيات أخرى مرتبطة بالوزن والطول. 


4- مرحلة العمليات المجردة

وهناك من يطلق عليها اسم مرحلة المراهقة، وتمتد من سن الحادي عشر فما فوق، وهي أخر مرحلة من مراحل التفكير المنطقي حسب نظرية ''بياجيه''، وقد اختار مصطلح المجردة لأن النشاطات العقلية في هذه الفترة تقترب كثيرا من تلك الملاحظة في المنطق الأساسي، وأهم ما يميز هذه المرحلة هو وصول بنى الطفل المعرفية إلى النضج واكتسابه القدرة على التفاعل بكفاءة مع الافتراضات اللفظية، وبالاعتماد القليل على الحوادث والأشياء الحقيقية الواقعية في حل المشكلات، وبالقدرة على توليد كل النتائج المحتملة لحدث ما واستبعاد النتائج غير المحتملة والتركيز على النتائج الأكثر احتمالا، وباستخدام ما يمكن اعتباره الطريقة الفرضية الاستدلالية في البحث وحل المشكلات.
ويجد الأطفال في مرحلة العمليات المجردة متعة في الألعاب التي فيها تحد (مثل الشطرنج)، فهم يطبقون القواعد والقوانين، ويفهمون ويصنفون ويعكسون الحسابات الذهنية العقلية.
مواضيع أخرى ذات صلة يستحسن الطلاع عليها:
ندعوكم متابعينا الكرام إلى الانضمام معنا على صفحتنا على موقع فايسبوك من خلال الضغط على زر الإعجاب حتى تتوصلوا بجديد المواضيع التربوية.

تعليقات